“السمن البري” في الحدود الشمالية.. منتج تراثي يحتفظ بمكانته في الأسواق الشعبية ومناسبات الضيافة

يُعد “السمن البري” أحد أبرز المنتجات التراثية في منطقة الحدود الشمالية بالمملكة، ويحظى بمكانة خاصة في الأسواق الشعبية والمناسبات الاجتماعية، لما يتميز به من جودة عالية وطابع تقليدي يعكس تاريخ المنطقة وارتباط الإنسان البدوي بالحيوان والمراعي منذ القدم.

ويُصنع “السمن البري” من حليب الأغنام، حيث تحتضن منطقة الحدود الشمالية أكثر من سبعة ملايين رأس من الماشية، ما يجعلها من أغنى مناطق المملكة بالثروة الحيوانية، وركيزة أساسية من ركائز الأمن الغذائي الوطني.

وتُعزى جودة السمن إلى تنوع المراعي الطبيعية التي تتغذى عليها المواشي، لا سيما خلال فصل الربيع، إذ تغطي الأرض نباتات برية مثل القيصوم، والشيح، والرمث، ما يمنح الحليب نكهة مميزة تنعكس على طعم السمن ولونه ورائحته.

وتبدأ مراحل إنتاج “السمن البري” من حلب الحليب الطازج، ثم يُخض يدويًا في أوعية جلدية تقليدية تُعرف بـ “الصميل”، حتى يتحول إلى زبدة نقية، بعد ذلك تُطهى الزبدة بهدوء على نار هادئة في أوانٍ نحاسية، ليتحول إلى سمن ذهبي اللون، وفي بعض الحالات تُضاف أعشاب برية لتعزيز النكهة وضمان الحفظ، قبل تعبئته في قرب جلدية أو أوانٍ زجاجية حديثة تلبي احتياجات السوق.

وبحسب روايات كبار السن في المنطقة، لم يكن “السمن” مجرد غذاء، بل كان جزءًا من ثقافة المقايضة في الماضي، واستمر حضوره ضمن مائدة الضيافة، حيث يُقدم مع التمر والقهوة السعودية، ويدخل في إعداد أطباق شعبية مثل الجريش والمرقوق، ليبقى رمزًا للكرم الذي عُرف به أهالي الشمال.

ويزداد الإقبال على “السمن البري” في مواسم الأعياد وفصل الشتاء، ويُباع بأحجام وأسعار متفاوتة. وقد خُصص له ركن خاص في السوق الشعبي بمدينة عرعر، حيث تتولى بيعه المسنات بخبرة متوارثة.

وتُعد عرعر موطنًا لأقدم سوق لبيع السمن، وهو “سوق السمن”، الذي تأسس قبل نحو 70 عامًا، وسُمِّي بهذا الاسم لوفرة السمن آنذاك، ولا يزال يُعرف به رغم تغير أنشطة بعض محلاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com