بقلم / عزيزة أحمد العمر
كثيرون منَّا يؤجلونَ تحقيقَ أحلامِهِم حتَّى ينتهُون من أعمَالِهم المِهنيِّة.
وكثيرًا مَا نسمعُ الجملَ التالية:
بعد كذا سنةٍ سأحسنُ وضعِي المعيشي !!
بعد كذا سنةٍ أستطيعُ أنْ أسكنَ بيتًا !!
بعد كذا سنةٍ سأملكُ سيارةً جديدةً !!
وتجرِي السُّنون ويجري معها الشبابُ وتموتُ مع جريانِهمَا الحيويَّة
ويصبحُ الشَّعرُ الأسودُ وقدْ اشتعلَ شيبًا ليتذكرَ صاحبَهُ
بأنَّهُ كانَ يعملُ من أجلِ المعاشِ. وأنَّهُ كانَ يعملُ فقط ليأكلَ ويعيش.
ويضيعُ عمرُهُ الحقيقي وهو قابعٌ في مكتبهِ يرتفعُ وينخفضُ ضغطُهُ
بسببِ ضغطِ العملِ.
يُمنِّي الموظفُ نفسهُ بأحلامٍ يريدُ تحقيقها في المستقبلِ ويفنِي عمرَهُ في العملِ ويغتالُ أجملَ أيامَ عمرِهِ بتأجيلِ أحلامِهِ ليقولَ حالُهُ بعد ذلك :
أنا مَنْ ضيَّعَ في الأوهامِ عمرَهُ !!
لأنَّهُ لنْ يصلَ إلى تحقيقِ طموحاتِهِ حتَّى يكونَ عمرُهُ قد ذهب، وصحتُهُ نقصتْ وجسدُهُ تهالكَ وأصابَهُ ضعفٌ من بعد قوة. فهو مثلُ الغرابِ الذي أعجبتُهُ مشيةُ العصفورِ فحاولَ أنْ يقلدَهُ فلمْ يفلحْ وعندما أرادَ أنْ يعودَ غرابًا لم يفلحْ أيضًا ..
فمعظمُ الذين يعملونَ ينتظرونَ التقاعدَ كلَّ يومٍ ونسوا أخطرَ ما في الأمرِ إنَّهُ إذا كنتَ تعيشَ لتعملَ فاعلمْ أنَّكَ تعملُ لتموتَ.
إنَّ الهدفَ الحقيقي من الحياةِ – في رأيي – هو السعادةُ .
فحتَّى عبادتُنَا للهِ سبحانَهُ وتعالى تنبعُ من شعورِنا بالرِّضَى النَّفْسِي تجاه الفرائض فنحنُ نعبدُهُ بطمأنينةٍ وراحةٍ نفسيَّةٍ كبيرةٍ فيتقبل منَّا ولا يمل حتَّى نمل .
وإذا كانَ كلُّ شيءٍ نقومُ بهِ في حياتِنَا هدفهُ تحقيق السَّعادةِ فلماذا إذن لا نستمتعُ بعملِنَا ولماذا نجعلُهُ كواقعِ الحالِ شقاءً يومًا بعد يوم؟
ولكي نستمتعُ بعملِنَا لابدَّ أنْ يكونَ العملُ مصدرَ إلهامٍ وحماسٍ في حياتِنَا
وليسَ فقط مصدرَ رزقِنَا.
وأنْ نجدَ فيه ذواتنَا من خلالِ إنجازنا لمسؤولياتِ العملِ وإخلاصِنَا فيه.
ونصيحتِي لكلِّ منْ أشقى نفسَهُ وحرمَهَا الشعورَ بمتعةِ العملِ بقولي له:
توقَّفْ عن العملِ برغبتِكَ ( التَّقاعدَ المُبَكِّر)
بدلاً منْ أنْ يوقفك العملُ برغبتِهِ فتباغتُكَ الأمراضَ النَّفسيَّةَ قبل العضويَّة
وسنسمعُ المواويلَ الحزينةَ في أوَّلِ يومٍ من العملِ تشدو بصوتٍ ناقمٍ :
عدتَ يَا يـومَ موئِدِي …. عدتَ يَا أيُّها الشَّقِي
الصِّبَا ضاعَ مِنْ يدِي … وغَزَا الشَّيْبُ مَفْرقِي
ليتَ يَا يـومَ موئِدِي …. كنـتَ يـومًا بـِلا غَـدِ
