“جمعية أدباء” تناقش النقد الأدبي بين الفاعلية والمجاملات الرقمية والإعلامية … ومثقفين؛ لا مناص من المجاملات!

“الفوضى النقدية أسقطت من هيبة الناقد في عين الكاتب”، أما “المجاملات فهي تُفضي إلى الجمود الفكري”، بينما “القليل من النقد يعني الكثير من الأخطاء” …  كل ذلك كان محط نقاش على مسرح جمعية أدباء و جمهور نخبوي يطالب بحلول للمجاملات الإعلامية حيث دارت تلك النقاشات خلال  ندوة نقدية لجمعية أدباء بعنوان  “النقد الأدبي بين الفاعلية والمجاملات الرقمية والإعلامية”، مساء أمس الثلاثاء ٢١ شوال 1445 على مسرح الجمعية في الأحساء، والتي قدمها الدكتور زكي الحريول الأستاذ المشارك في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل والأستاذ زكي السالم رئيس جمعية ابن المقرب للتنمية الأدبية والثقافية بالدمام سابقا. وقامت بإدارتها الأستاذة معصومة العبد الرضا نائب رئيس لجنة الدراسات النقدية بالجمعية.

 

إخفاء الوجه الحقيقي للأعمال الأدبية

وتناولت الندوة ما للمجاملات من أثر في إخفاء الوجه الحقيقي للأعمال الأدبية كما إنها ترسم صورة ضبابية وغير واضحة عندما تمس الحكم على النصوص الإبداعية ، وربما أعطت من ما لا يستحق قدرا وقيمة لا يستحقهما. وفي ذلك بعد عن المصداقية المطلوبة في المقاربات النقدية، وسبب من أسباب تدهور الذائقة ، وعدم النصح لناشئة الأدب.
حيث بدأ الدكتور زكي الحريول حديثة قائلا : إذا غاب النقد الأدبي القويم حلت محله المجاملات التي تصيب المشهد النقدي بالهزال والخاسر الأكبر هو نتاجنا الأدبي والفكري كذلك. لماذا لا نقبل النقد؟ .. هذه الإشكالية مرتبطة بأسباب خارج المشهد النقدي وداخله، أما خارجه فيجب أن نلاحظ طبيعة الإنسان المعاصر ابن الحضارة المرفَّه وروح الحضار أنثى كما يقولون في علم الاجتماع، فالإنسان المعاصر عنده حساسية مفرطة من النقد ويحتاج إلى ثقافة مقاومة لهذا الميل النفسي والنعومة النفسية. أما السبب الذي من داخل المشهد النقدي فهو هذا الانفلات والانفتاح غير المشروط على النظريات الغربية، فالفوضى النقدية أسقطت من هيبة الناقد في عين الكاتب، مع غياب المرتكزات وغياب النظرية النقدية العربية التي تحافظ على الموروث النقدي للأدب العربي وكذلك لا تنقطع عن المشهد النقدي العالمي.

الأدب الرقمي زاد من ظاهرة المحاولات ..

وأضاف أن الأدب الرقمي زاد من ظاهرة المجاملات الأدبية، لأن سلطة الجماهير تتحكم في أيقونات الإعجاب والتدوير ونحو ذلك. والتقنية عادة قادرة على أن تجعل الجماهير تنافس المثقف في إبداء الرأي وظهور ملاحظاته ونقده فيظهر على السطح النقد غير المتخصص وربما يرضخ الاديب للمستوى والمزاج الجماهيري مع ضغظ تلك الثقافة عليها مع الزمن.

عقلنة المشهد النقدي

بعد ذلك عرج على أهم العلاجات : المواصلة في بث الثقافة بأهمية النقد الفعال وتقبله وتفهمه لأنه من سمات المجتمعات المتحضرة. وأيضا يجب على المؤسسات الثقافية الكبرى أن تسهم في عقلنة المشهد النقدي ورسم محكمات وأصول له ، القراءات النقدية لن تتوحد ولن تقف، لكن المهم أن نعرف مالذي يستحق أن نقبله قراءات للنصوص العربية ومالذي لا يستحق أن نُخضع نصوصنا العربية له .

وختم الحريول يجب أن يكون في مربع وعينا جميعا وفي وعي الناقد والأديب والكاتب : أن المجاملات تفضي إلى الجمود الفكري، وأن القليل من النقد يعني الكثير من الأخطاء.

صفات الناقد الموضوعي

بعد ذلك تناول زكي السالم أبرز صفات الناقد الموضوعي باختصار وهي:

1- أن يكون موضوعيًا مبتعدًا عن الشخصنة ، بعينٍ لا ترى إلا النص ولا شيء غيره.
2- أن يكون واضحًا ودقيقًا في اختيار مفردته ، وتوخي عبارته ، كي يكون أثرها جيدًا على المؤلف. ومتمكنًا من أدواته غاية التمكن ، ومحيطًا بكل النظريات النقدية التي يحتاجها في النص الذي يعالجه.
3- أن يكون مبتعدًا عن المشاكسات والكيدية وقصدية التسقيط والتسفيه للنص أو لكاتبه.
4- البعد عن مجاملة المؤلف وهذا ما أسميه ( المجاملة الرقمية والإعلامية ) فهنا سيحصد نفس نتيجة ما حذرنا منه في الفقرة السابقة.

كما ذكر اهم واجبات الكاتب أو المؤلف وهي :

1- التجرد من تضخم الأنا التي تحول بينه وبين تقبل النقد.
2- التروي في تلقي النقد بفنية لا مزاجية والاستفادة من إضاءاته المشرقة.
3- الترفع عن ما يكون خارج مجال النقد أو ما يختلف مع قناعاته ومنطقة إبداعه. وعدم الدخول في مشاكسات مع الناقد.

 

بين سندان النقد ومطرقة الجمهور

وعن المجاملات الرقمية والإعلامية ذكر انه مع انتشار الميديا وصفحات التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل كاتب مهما صغرت موهبته مساحة كبيرة ، ومنصة شاهقة ، يطل منها على كل المشهد الأدبي متى ما أراد ، لينشر كل ما يشاء في أي وقت يشاء.

وهنا لم تعد مهيمنة عليه سطوة النشر السابقة من مجلات أو قنوات إعلامية وبالتالي فرض محدداتها وشروطها عليه. وربما امتلكت هذه الأقنية نقادًا ومختصين يميزون غثاء الشعر من زبده. فحين يهب ناقد ليقيم تجربته فلن يتقبله. ليصبح الناقد بين أمرين :

1- فإما أن يجهر برأيه ويكتب قناعته ورؤيته نحو هذا النص بقصد تقويمه وإظهار جمالياته ، أو إيضاح سلبياته ليجليه للمتلقي وهنا قد يدخل في مشاكسة مع الشاعر ومهاترات لا تليق به.

2- أو يختار المجاملة على حساب الحقيقة كي يرضي هذا الشاعر ، وهنا لن يؤدي واجبه ، ولن يكون منصفًا مع نفسه أولًا ومع الإبداع والمتلقي ثانيًا وثالثًا.

النقد الملتزم والموجه

وختم بضرورة حضور النقد الملتزم والموجه في الوسائل والأقنية الإعلامية بشتى فروعها فلم يعد النشر مقتصرًا على الدوريات أو الكتب كالسابق بل أصبحت المواقع الرقمية الآن هي الأكثر بين أجيال اليوم من الشعراء والمبدعين وهم الشريحة التي يفترض أن يتوجه لها هذا النقد ليوجهها وينير لها طريقها. فالحل لدى الناقد نفسه الذي يُحتم عليه أن يبتعد عن ( المجاملات الرقمية ) وأن يكتب قناعاته مراعيًا كل الشروط التي ذكرناها مسبقًا نحو الشاعر ونحو منتجه ولا يلتفت بعد ذلك لرضا الشاعر أو سخطه فذلك واجبه نحو الرقي بالكلمة والإبداع. خير له من مجاملة تورث حتمًا وأدًا لموهبة وقتلًا لإبداع ونفاقًا معرفيًا.

وفي نهاية اللقاء تحدث رئيس جمعية أدباء الدكتور محمود الحليبي عن أهمية الندوة وقيمتها في وضع نقاط مهمة على طاولة الطرح والنقاش ، وأعلن عن عزم الجمعية على استضافة الإعلاميين والصحفيين المهتمين بالمشهد الإعلامي والأدبي لمناقشة عدة محاور تتناول جانب المجاملات الإعلامية والصحفية ودور الإعلام الرقمي في حياتنا المعاشة واليومية . ثم أهدى ضيوف الندوة بطاقات الشكر والعرفان وشكر الحضور، والتقطت الصور التذكارية بهذه المناسبة .

 

تعليق واحد على ““جمعية أدباء” تناقش النقد الأدبي بين الفاعلية والمجاملات الرقمية والإعلامية … ومثقفين؛ لا مناص من المجاملات!

  1. غياب النقاد عن الساحة الأدبية والثقافية صنع فوضى فيما يسمى بالإبداع الأدبي ؛ لأن الناقد هو المصحح للمسار الإبداعي، لذلك كان دوره مهما في بناء الفكر والعمل الأدبي..
    لكن سطوة الأعمال الأدبية التي جاملتها بعض الأقلام أقصت الناقد الحقيقي، فرأينا كل من هب ودب صنع منتجا أدبيا سطحيا لا قيمة له، بل إن قيمة الطباعة أكبر من قيمة العمل حتى توارى المبدعون الجادون.
    أقول لابد من عودة الناقد لأنه الطبيب المداوي، وابتعاده عن الساحة الأدبية صنع الفوضى.
    أما المجاملات النقدية فلا تصنع عملا جادا أبدا، وكثرتها أسقطت قيمة وجمال العمل الإبداعي حتى امتلأت الساحة بأعمال لا طعم فيها ولا رائحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com